أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
102
العقد الفريد
الفجار الثاني كان الفجار الثاني بين قريش وهوازن ، وكان الذي هاجه أن فتية من قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر بن صعصعة وضيئة « 1 » وحسانة بسوق عكاظ . وقالوا : بل طاف بها شباب من بني كنانة وعليها برقع وهي في درع « 2 » فضل ، فأعجبهم ما رأوا من هيئتها ، فسألوها أن تسفر عن وجهها فأبت عليهم ، فأتى أحدهم من خلفها فشد دبر درعها بشوكة إلى ظهرها وهي لا تدري ، فلما قامت تقلص الدرع عن دبرها ، فضحكوا وقالوا : منعتنا النظر إلى وجهها فقد رأينا دبرها ! فنادت المرأة يا آل عامر ! فتحاور الناس ، وكان بينهم قتال ودماء يسيرة ، فحملها حرب بن أمية وأصلح بينهم . الفجار الثالث وهو بين كنانة وهوازن : وكان الذي هاجه أن رجلا من بني كنانة كان عليه دين لرجل من بني نصر بن معاوية ، فأعدم الكناني ، فوافى النصري بسوق عكاظ بقرد فأوقفه في سوق عكاظ ، وقال : من يبيعني مثل هذا بمالي على فلان ! حتى أكثر من ذلك ، وإنما فعل ذلك النصري تعييرا للكناني ولقومه ، فمرّ به رجل من بني كنانة فضرب القرد بسيفه فقتله ، فهتف النصري : يا آل هوازن ! وهتف الكناني : يا آل كنانة ! فتهايج الناس حتى كاد أن يكون بينهم قتال ، ثم رأوا الخطب يسيرا فتراجعوا ولم يفقم الشر بينهم . قال أبو عبيدة : فهذه الأيام تسمى فجارا ، لأنها كانت في الأشهر الحرم ، وهي الشهور التي يحرّمونها ففجروا فيها ، فلذلك سميت فجارا وهذه يقال لها الفجار الأول .
--> ( 1 ) وضيئة : الحسنة الجميلة . ( 2 ) درع المرأة : القميص الذي يلي جسدها .